48 ساعة من العزلة في غابات الأمازون الممطرة

وجدت السلام والهدوء في البرية، وهو أمر أدهشني حقاً. لقد كانت تجربة الطبيعة في غابات الأمازون الممطرة شعوراً غامراً لا تصفه الكلمات. وكالعادة، كان عليَّ أن أقطع اتصالي بالعالم لأتواصل مع الطبيعة وأنعم بالهدوء والسكينة. هذه هي قصة عزلتي لمدة 48 ساعة كاملة في قلب غابات الأمازون اللمطرة.

أنا رحالة أسعى للمغامرة، ومستعد دوماً لاستكشاف جمال الطبيعة. هذه المرة، قررت الذهاب إلى إحدى غابات الأمازون لأقضي فيها 48 ساعة من العزلة، وبدأت رحلتي بزيارة شلالات كاييتور في غويانا، والتي تعد أكبر شلال ذو مصب واحد في العالم من حيث حجم المياه المتدفقة عليه ويبلغ حجمه أربعة أضعاف حجم شلالات نياجرا. مفتونين بجمال طبيعة الأمازون، كانت محطتنا التالية في قرية سوراما، حيث تواصلنا مع سكان الغابة الأصليين (الأمارندين) ومرشد البوشمستر (مرشد سابق لأساليب البقاء على قيد الحياة في القوات الخاصة البريطانية). وفي القرية، قمنا بفحص معداتنا وكافة الأدوات التي يتوجب علينا حملها معنا ثم دخلنا إلى غابات الأمازون المطيرة بعد بضع ساعات من المشي انطلاقاً من القرية.

لم تبدأ عزلتنا، التي استمرت 48 ساعة، بمجرد أن وطئت أقدامنا الغابة، بل قضينا الأيام القليلة الأولى في تعلم أساليب بناء المعسكرات، وإشعال النار، والرمي بالقوس والسهام، وإعداد الفخاخ، وصيد الأسماك وكل ما يهمنا للبقاء على قيد الحياة في عزلتنا. ولكن، كان للقدر كلمة أخرى. فبينما أنا منهمك في تعلم أساليب البقاء على قيد الحياة، مرضت للغاية وعانيت من ارتفاع في درجة الحرارة كما أن قدمي تضررت كثيراً بسبب التعرض المستمر للمياه، وهو ما زاد الأمر سوءاً. ولكن مرضي، ولله الحمد، لم يمنعني من المضي قدماً، حيث كنت مصمماً على أن أكون بحضن الطبيعة وأن أعايش جمالها النقي.

ضع في اعتبارك أن هناك الكثير من الحيوانات والحشرات والأشياء الأخرى التي يمكن أن تقتلك إذا كنت لا تعرف مهارات البقاء على قيد الحياة. بل أن مياه النهر قد تسبب أضراراً كبيرة إذا استهلكت كما هي دون معالجه مسبقه لها. وعلى الرغم من تواجد حيواناتٍ خطرة مثل تمساح الكيمن الأسود، وأسماك البيرانا الشرسة، وثعبان الأناكوندا في النهر إلا أن النظافة مهمة للبقاء على قيد الحياة، وقد استخدمنا النهر لتنظيف أنفسنا وفحص أجسادنا بحثاً عن أي علامات للدغٍ أو نزيف. تشكل الحيوانات والحشرات والنباتات والنهر خطورة، لكنها على الجانب الآخر تمثل الجمال الحقيقي للطبيعة. كنا في منطقة تقطنها حيوانات النمر الأميركيّ المرقط، وكنت آمل أن أرى أحدها ولم أوفق إلى ذلك. لا أدري حقاً إن كان هذا من حسن أم سوء حظي لكنني لم أستطع رؤية أي نمر رغم تواجدي في مناطقتهم. لا أستطيع وصف شعوري حين استيقظت على أصوات القرد العواء، فقد كان الأمر مدهشاً وإن بدا مزعجاً للكثيرين، لكنني مختلف قليلاً. على كل حال، فقد كان هدفي الرئيسي هو تجربة الطبيعة في شكلها الحقيقي.

وبدأت العزلة…

كان الحفاظ على طاقتي أول شيء يشغل ذهني، ولذلك بدأت في بناء ملجأ يساعدني على البقاء جافاً بعيداً عن المطر المنهمر، والبقاء فوق الأرض بعيداً عن الماء وأي تهديدات أخرى محتملة من الكائنات الحية.
البقاء على قيد الحياة ليس بالأمر السهل، خاصةً في غابات الأمازون الممطرة، حيث يمكنك أن تضل طريقك بسهولة أثناء بحثك عن الخشب أو الطعام بعيداً عن ملجأك وربما تسبب ذلك في وفاتك في أسوأ الأحوال. لحسن الحظ، كان معنا أجهزة اتصال لاسلكية للاستخدام مرة واحدة فقط من أجل استدعاء المساعدة والإخلاء، في حالة مرض أحدنا أو ظل طريقه أو لم يتحمل التعامل مع الطبيعة.

وباستثناء جهاز الاتصال اللاسلكي، فقد تم تجريدي من ساعتي وهاتفي وغيرهما من الأدوات التي استخدمها عادة، وتسلمت بدلاً منها عدة بسيطة للغاية من الأدوات التي ينبغي أن تساعدني على البقاء على قيد الحياة إضافةً إلى سكين كبير الحجم. وحين تخلصت من أي وسيلة لمعرفة الوقت، شعرت أن الزمن ثابتٌ لا يتحرك.

كانت السماء تمطر بلا توقف، وهو ما فاقم صعوبة الموقف، ولكنني تمكنت من وضع سقف فوق رأسي وجمع بعض الأخشاب الجافة وإشعال النار للتدفئة. قد يبدو هذا سهلاً، ولكن لم أحصل على أي شيء للأكل في اليوم الأول، وقد نمت ليلتي تلك طاوياً معتقداً أن اليوم التالي سيكون هو يوم سعدي. لكنني لم أكن أدري أن اليوم الثاني سيكون أصعب بكثير. جربت حظي في صيد السمك باستخدام قصبة الصيد التي صنعتها بنفسي لكن دون جدوى. فلم تكن هناك سمكة واحدة مهتمة بأن تصبح عشاءً لي أو تقبل الطعم الذي أقدمه لها.

وفي اليوم الثاني، نمت مرةً أخرى جائعاً وعشت فقط على بفضل حفاظي على طاقة جسدي وشربي الكثير من الماء. وعندما انتهت الـ 48 ساعة جاءوا لاصطحابي في صباح اليوم الثالث. إن تعلم مهارات البقاء على قيد الحياة مختلف تماماً عن تطبيقها عملياً على أرض الواقع.

وبصرف النظر عن ذلك، علمتني هذه الرحلة – كغيرها – دروساً قيمة، ستساعدني بالتأكيد في قابل الأيام.
إلى لقاء!